ابراهيم بن عمر البقاعي
234
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 12 إلى 14 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( 12 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 ) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير قاصد به عيبه ، أو فعل فعلا يتنزل على الهزء غير قاصد به الهزء ، نهى تعالى عن المبادرة إلى الظن من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها ، الذي هو معنى الظلم فقال خاتما بالقسم الخامس منبها على ما فيه من المعالي والنفائس : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول مراتبه اجْتَنِبُوا أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب بعيد عنكم كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا تمادوا معه حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد التبين لحقه من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر ، والبحث عن ذلك الذي أوجب الظن ليس بمنهيّ عنه كما فتش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قصة الإفك وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من اللّه ، وأفهم هذا أن كثيرا منه مجتنب كما في الاجتهاد حيث لا قاطع ، وكما في ظن الخير باللّه تعالى ، بل قد يجب كما قال تعالى : و لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [ النور : 12 ] وقد أفاد التنكير شياع النهي في كل ظن ، فكان بمعنى « بعض » مع الكفالة بأن كثيرا منه منهيّ عن الإقدام عليه إلا بعد تبين أمره ، ولو عرف لأفهم أنه لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة ، قال القشيري : والنفس لا تصدق ، والقلب لا يكذب ، والتمييز بين النفس والقلب مشكل ، ومن بقيت عليه من حظوظه بقية وإن قلت فليس له أن يدعى بيان القلب ، بل هو بنفسه ما دام عليه شيء من بقيته ، ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره ، ثم علل ذلك مشيرا إلى أن العاقل من يكف نفسه عن أدنى احتمال من الضرر احتمالا مؤكدا لأن أفعال الناس عند الظنون أفعال من هو جازم بأنه بريء من الإثم : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة كالظن في أصول الدين ، وحيث يخالفه قاطع ؛ قال الزمخشري رحمه اللّه تعالى : الهمزة في الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه .